Tuesday, June 7, 2011

الديمقراطية الكويتية وضيق المسالك

:تركي الدخيل ومحمد الرميحي يتحدثان عن
الديمقراطية العربية والكويتية.. وضيق المسالك






الثلائاء 7 يونيو 2011
نقلاً عن الشرق الأوسط – ايلاف الالكتروني

في الوقت الذي تنشغل فيه ساحات عربية بالتغيير طلبا لشيء من الديمقراطية والمشاركة، تضيق بالديمقراطية الكويتية المسالك. فها هي الوزارة رقم سبعة التي تتشكل في غضون خمس سنوات فقط، أي تشكيل وزاري في المتوسط لأقل من سنة، وهذه هي الأزمات تطل من جديد لتعيد نفسها، ولا أحد يعرف ما يمكن أن تتمخض عنه الأيام القادمة من نتائج. في الوقت نفسه الذي يقوم المجتمع الكويتي بتمزيق نفسه قبليا وطائفيا ومناطقيا وكذلك اقتصاديا. دوامة يحار في فهمها المدقق.
حتى الآن، لم تصل الكويت إلى مرحلة (ثني الأعنة) والخروج من الدائرة المغلقة بالنظر إلى المستقبل، والانصياع إلى الحقائق التي يتطلبها ذلك المستقبل وهي أعمق من المظاهر. لعل الحقيقة الأولى في التجربة الكويتية هي (تقديس الوسائل وتجاوز المبادئ)، فالديمقراطية ليست هدفا بحد ذاته، أي ليست صناديق انتخاب وجمع أصوات ومخيمات انتخابية، هي وسيلة لغاية أهم وأكثر من ذلك. الغاية كما يفهمها أغلب الناس، هي حل المشكلات التي تواجه المجتمع والسير به نحو السلام الاجتماعي والتنمية المتساوية في جو من الاستقرار وهي كلمة مفتاحية تعني صلب الديمقراطية. لقد قدست الوسائل في الكويت واستعيض بها عن المبادئ. من ضمن تلك الوسائل الدستور، وكلما قرب أحد منه ظهرت الأصوات (إلا الدستور)، دون تمهل ودون محاولة سماع للرأي.
فالدستور الكويتي الذي وضع قبل نصف قرن، أشار في صلب مواده إلى أن يراجع بعد خمس، نعم خمس سنوات من التطبيق، اعترافا من المؤسسين بأنه وثيقة إنسانية تحمل الخطأ والصواب، وشرط المراجعة رفع سقف الحريات وتوسيع قاعدة المشاركة. والفكرة من المراجعة، أن تطور وسيلة للتوافق الاجتماعي والسياسي من أجل تقديم حلول موضوعية لما يواجه المجتمع من مشكلات في أزمان مختلفة. إسقاط عامل الزمن هو أول ما يشوب الضبابية السياسية الكويتية، فالزمن يعبر عن نفسه بتوالي الأجيال وتغير حاجاتهم وأولوياتهم. الوسائل الناجحة أيام التأسيس (منذ نصف قرن) محدودة بطبيعة الحال بزمانها، وكلما تغير الزمن تغيرت الحاجات. يقاوم الحديث حول الدستور وإمكانية النظر فيه من مكانين متناقضين: الأول من القوى المستفيدة من احتكار وضعه كما هو، من أجل الاستفادة من الثغرات العملية التي شابت تطبيقه، ومن جانب آخر من قوى أخرى ترغب في تدهور الممارسة السياسية حتى تبقى عليلة لتقبيح وجه الديمقراطية، حتى تصبح المناداة بالتمسك بالمبادئ (المشاركة السياسية) مذمومة! الطرفان بشكل واضح أو خفي، مقصود أو غير مقصود، يرميان إلى الوصول بالتجربة إلى ذلك الطريق المسدود، فيصبح الأمر وكأن الكويتيين يرجعون من (الحج) والناس ذاهبة إليه. الأجيال الجديدة تستهجن ديمومة عدم الاستقرار بآلية قصد منها أساسا الوصول إلى الاستقرار، أي وضع الداء في الدواء.
تعالوا ننظر في التفاصيل وهي مجموعة من الأسئلة: هل يعقل أن يصوت في انتخابات عام 1962 ما نسبته 4% تقريبا من الأصوات التي صوتت في انتخابات 2009، والاثنان من أجل وضع 50 عضوا في السدة البرلمانية؟! كيف يمكن أن يتغير حجم سكاني بهذه النسبة الهائلة، ويبقى عدد ممثليه نفسه قبل 50 عاما! وفي التفاصيل أيضا، هل يمكن أن تبقى تجربة بهذا التاريخ الطويل، دون ظهور تكتلات (ولا أريد أن أقول أحزابا) تحدد في ما بينها من الأشخاص من له مواصفات يمكن ائتمانه على التمثيل الشعبي، وترك الأمر إلى العلاقات الأسرية والقبلية والطائفية والمالية تحدد الحصان الرابح. ثم يصل العضو، دون جهاز خلفه للمتابعة، ولا أقول المراقبة!
كل التجارب في العالم الحديث تنظم الوصول إلى برلماناتها أحزاب، تنتقي من بينها أعضائها من ترى أن له مواصفات محددة وملتزم بأجندة واضحة يعرفها الناس ويخضع للمحاسبة. في التصويت البرلماني الكويتي، تجد العجب، فلا يستطيع مراقب، مهما أوتي من فراسة، أن يتنبأ بأي اتجاه سوف يصوت العضو في القضايا الخطيرة المطروحة، في الغالب أن نفس العضو يصوت باتجاه في قضية، وفي أخرى مشابهة لها، يصوت باتجاه آخر، في سباق حواجز للانتقال من الموالاة للمعارضة وبالعكس، على أساس أن ذاكرة المواطن قصيرة، وهي بالفعل كذلك. من جانب آخر، تستطيع كتلة صغيرة في البرلمان أن تفرض أجندتها، لا بسبب قوة حجتها ولكن بسبب تفتت العدد الأكبر على أجندات شخصية، فتقوم الأقلية بفرض أجندة المجتمع، على الرغم من وجود أكثرية غير فاعلة، لكنها متناقضة ومتعارضة.
التركيبة إذا لم تعد مناسبة للحاضر ولا مجدية للمستقبل، لا من حيث الحجم ولا من حيث الآلية، ودون النظر في تغيرها بجدية من أجل رفع سقف الحريات وتوسيع المشاركة - فإن الأزمات سوف تفرخ نفسها حينا بعد حين، وتتعطل مصالح الناس، في لغو بدا حتى في ألفاظه المستعملة يتدهور داخل القبة البرلمانية وخارجها.
لقد تحول العمل البرلماني إلى شكل دون مضمون، بدليل أن الساحة بدأت تخرج من قاعة البرلمان إلى الشارع وإلى وسائل الإعلام، وهو دليل على مرض الممارسة لا على صحتها، بل تحول إلى أسوأ من ذلك، الاتهامات المتبادلة بين الأعضاء أنفسهم وإلباس البعض بردة المواطنة والآخرين بردة التقاعس القريبة من الخيانة، والعياذ بالله.
ثقافة الممارسة الديمقراطية الكويتية عليلة، ذاك هو التشخيص العام، قد يختلف البعض في مكمن العلة، وكيفية العلاج، ولكن الاتفاق شبه كامل على أنها عليلة، ومظاهر العلة واضحة لمن يريد أن يرى من خلال سيل من الكتابات الناقدة، وخاصة من الجيل الجديد، هناك ردة سياسية في العمل السياسي الكويتي، لم يكن الآباء المؤسسون قد تصوروها ممكنة، فبدلا من التطوير تتراجع الممارسة وتفرز أشكالا من الأزمات في صلبها إيصال الوهن لمؤسسات الوطن وتعطيل مصالح الناس. دون الوعي بالتفرقة بين المبدأ (أهمية المشاركة السياسية) ووسائل خدمته التي تحتاج إلى تطوير جوهري، ستظل الأزمة الكويتية تلد أزماتها التلقائية، قد يختلف الأشخاص وتتغير الوجوه، إلا أن بقاء الهياكل كما هي، سيولد، لا ريب، أشكالا من الأزمات الجديدة.
آخر الكلام
بوصول علي صالح إلى المملكة العربية السعودية، تدخل اليمن منعطفا آخر، وسوف يراقب العالم بسؤال: هل المشكلة في الأشخاص أم في غياب المؤسسات التي لم تقم حتى الآن في الفضاء العربي، لننتظر ونر!

!تركي الدخيل: استحالة الديموقراطية عربياً

الاتحاد الإماراتية

لا أظنّ أن كلمةً تكررت في الإعلام العربي مثل "الديموقراطية" وبخاصةٍ في الثورات، والاضطرابات ونشوب مواجهاتٍ تشبه "الحرب الأهلية". صارت الديموقراطية دارجة على كل لسان، وباتت حلماً يراود الجميع، فمن الذي يرفض أن يعيش في مجتمعٍ ديموقراطي له امتيازات بريطانيا أو فرنسا أو أميركا؟! الكل يحلم بمثل تلك المنظومات العظيمة في الحكم ورسم المجتمع المدني، وحماية الحقوق وصرامة القوانين وانضباط المجتمع بها، وهذا النظام الرائع هو الذي ينتج العيش الرغيد والأمن على النفس من خلال الحرية الفكرية الضرورية والخيارات السياسية المتاحة.
في العالم العربي لم تنجح الدول التي زعمت أنها ديموقراطية، بل الدول الناجحة تلك التي أخذت بخيارات التنمية مثل دول الخليج، ولم تنشغل كثيراً بالديموقراطية لأنها استفادت من دروس عربية كثيرة لم تنجح كل وسائلها في تطبيق نموذج ديموقراطي ناجح. إلى الآن البرلمانات العربية مليئة بالخطب والقصائد التي تمدح الرئيس، كما شاهدنا مراراً، بينما يقتل الناس في الشارع من قبل قوات الرئيس. ويبقى السؤال الملح: لماذا فشل العرب في تطبيق الديموقراطية؟!
رجعت إلى كتاب"تفسير العجز الديمقراطي في الوطن العربي" لمجموعة مؤلفين، قام بتحريره: إبراهيم البدوي وسمير المقدسي، ضم دراساتٍ عديدة لباحثين مختلفي المشارب والأدوات والتخصصات. يقول الدكتور فواز جرجس في مقدمة الكتاب إن هناك:"فجوة كبيرة بين الفهم النظري للديمقراطيّة وتحقيقها الفعليّ في أغلب الأحوال، وبخاصّة في البلدان النامية"، أن يؤمن فرد ما بضرورة تطبيق الديموقراطية فهذا لا يعني أنه يمكنه أن يتشرب ثقافة الديموقراطية، والتي تتطلب سلوكاً ليبرالياً مع المختلفين في الفكر والدين والمذهب والطائفة والعرق واللون. هذه المسافة بين المطالبة بالديموقراطية وامتثال متطلباتها هي سبب العجز الأساسي عن تطبيق الديموقراطية في العالم العربي المليء بكل معاني التمييز العرقي والفكري والطائفي.
أما عبد الوهاب الأفندي، فيقارب في تحليله أسباب عجزنا عن تطبيق الديموقراطية، حين يقول"الأنظمة السياسية ثابرت على الاعتماد على أشكال مختلفة من القمع، بما في ذلك كسب الشرعيّة بتغييب الآخرين، وهندسة سياسة الأزمات، وذريعة احتواء الحركات الأصوليّة، وهو شكل للقمع تطوّر مؤخّراً. وثمّة وفرة في الأدلّة على أنَّ الحقوق السياسيّة والمدنيّة في البلدان العربيّة تعرّضت لانتهاكات خطيرة بشهادة تقارير مختلف منظّمات حقوق الإنسان العربيّة والدوليّة. وهذا كلُّه يؤيّد التقييم التجريبي القائل إنَّ ظلالاً مختلفة من الحُكم الأتوقراطيّ (غياب الديموقراطية) كانت قائمةً في البلدان العربيّة منذ استقلالها، باستثناء لبنان، وإنَّ اللَّبرَلة السياسيّة المحدودة التي تبنّاها بعض البلدان العربيّة في أوقات مختلفة لم تغيّر هذه الصورة كثيراً".
السؤال عن سبب انعدام الديموقراطية واختفائها من المشهد السياسي العربي، هو الذي جعل المنظمات الأصولية تجد طريقها نحو الظهور، لأنها تستخدم دعايةً لنفسها من خلال النصوص المقدسة الأمر الذي يمنحها حصانةً من المحاسبة السياسية، والتي لو حدثت فإن الشعب قد يثور مناصراً تلك الجماعة التي تلبس لبوس الدين. إن متطلبات الديموقراطية ثقافية قبل أن تكون سياسية، في لبنان مثلاً نجد المجتمع في ثقافته ليبرالياً، لكنه في نظامه السياسي لا يزال طائفياً، لأن الديموقراطية بمتطلباتها الليبرالية التي تعني المساواة بين المختلفين لم تنجح في لبنان، لهذا بقي البلد رهن النظام الطائفي الشرس!
لا يكفي أن نطالب بالديموقراطية، بل من المهم دراسة معنى هذا المصطلح، وقراءة شروطه قراءة مستفيضة. الديموقراطية تنتج في المجتمعات المستعدة ثقافياً وليس فقط سياسياً أو تنظيمياً

Monday, May 23, 2011

فنجان قهوة


! " تعلمت المسيحية تحت " القمر



أ/ رجب سعيد


فنجان قهوة
بقلم / رجب سعيد


يقولون "التعليم في الصغر كالنقش على الحجر والتعليم في الكبر كالرقم على الماء" كلمة جميلة حقا تعبر عن حقيقة علمية راسخة لا تقبل الجدل بحال من الأحوال، بل وتؤكدها ممارساتنا الحياتية التي توضح لنا هذا المعنى وتبرزه بجلاء، أقول هذا وأنا رجل تخطيت مرحلة الشباب ووقعت يد الزمن على ملامح وجهي وخريطة رأسي بما يؤكد أنني دخلت مرحلة الكهولة، إن ما تعلمناه ونحن صغار يظل محفورا في ذاكرتنا لا يغادرها أبدا فمعلوماتنا القديمة حجزت لها مكانا مميزا في أرشيف ذاكرتنا انتقته بعناية، ولم لا وقد اقتطعته من مساحة بكر لم تطأها قدم معلومة من قبل ولم يلق في مائها بحجر!

بدأت دراسة اللغة الإنجليزية مثلي مثل أقراني في المرحلة الإعدادية (الحلقة الثانية من التعليم الأساسي اليوم) وطبعا كانت المرحلة الإعدادية تمثل لنا نقلة نوعية في حياتنا الدراسية وكتلميذ في مثل هذه السن المبكرة من حياتي كنت أختصر ملامح هذا التغيير في شيئين اثنين الأول شكلي وهو التحرر من "المريلة البيج" التي لازمتني ست سنوات من عمري حتى كدت أن أكره هذا اللون بسببها، ولا أدرى لم الإصرار على ارتداء طلبة المدارس الابتدائية هذا اللون الممرض الخالي من أي معنى للبهجة فهو لون في رأيي كئيب بئيس يبعث على المرض، ولم لا وهو قريب من اللون الأصفر علامة المرض والاعتلال؟! كذلك فإنه لون سريع التغير وسرعان ما يبهت وتصبح ملابس الطلبة بلا هوية لونية فلا تعرف إن كانت صفراء أم بيضاء أم بين بين؟! أما الشيء الثاني فهو دراسة اللغة الإنجليزية فهي المادة الجديدة بالكلية في هذه المرحلة وطبعا تكون معلوماتنا عن هذه اللغة قبل تلك المرحلة صفرا كبيرا لأننا لم نكن نعرف مرحلة الروضة الموجودة حاليا ولم يكن الألف أرنبا ينط ويلعب كما هو الآن!! فقد كان الألف في مخيلتنا على أيامنا تلك هو "خرزانة" المدرس الطويلة التي لا ترحم!

في المرحلة الإعدادية يكون عود الطالب قد اشتد قليلا وهذا يعني لدى المرضى والمعاقين من المدرسين (الذين كاد الواحد منهم أن يكون رسولا!) أننا صرنا فرائس سمينة فأجسادنا أصبحت تتحمل الأذى البدني أكثر مما يجعلنا قادرين على إشباع رغبات المدرسين الساديين الذين يتلذذون بأنات تلاميذهم، وبالتالي فوصلات العقاب البدني أصبحت ممتدة وعدد العصي الذي يشفي غليل المدرس تضاعف، أنا عن نفسي كنت طالبا ملتزما تعودت أن أفعل ما يطلب مني بحذافيره، وأستطيع أن أدعي أنني كنت في مأمن عن العقاب إلى حد ما، لكنني كنت أتألم كثيرا للمشاهد بل المجازر التي كان ينخلع لها قلبي في الفصل من مدرسين مهووسين بالعقاب والضرب بطرق وحشية غاية في القسوة والفظاعة، وقد كان بعض المدرسين يقضون جزءا كبيرا من الحصة الدراسية في تنفيذ الأحكام بدلا من الشرح كما لو أنه جاء ليضرب لا ليشرح!

المهم لا أريد أن أسترسل في الحديث عن هذا الماضي المؤلم الذي غابت فيه عن مدارسنا مناهج التدريس والتربية وكان سببا في تفلت الكثير من زملائنا بالدراسة وتفضيلهم حياة الفلاحة بما فيها من تعب وشظف العيش على حياة المدرسة التي تمتهن فيها كرامة التلميذ بدعوى تعليمه!! لكنني اريد أن أركز الضوء على مشهد بئيس له ارتباط بما نعانيه اليوم في مجتمعنا من نزاع طائفي على أساس اختلاف الدين وهو مرتبط أيضا بتدريس اللغة الإنجليزية، فقد كان معلمو اللغة الإنجليزية في هذه الفترة معظمهم من المسيحيين إذ يبدو أن دراسة اللغة الإنجليزية حتى هذا العهد لم تكن تستهوي المسلمين إذ يعتبرون ذلك صورة من صور التغريب والانفلات من تقاليد المجتمع المسلم المحافظ، وبالمقابل فإن المسيحيين لا يدخلون معاهد وكليات اللغة العربية التي تشكل واجهة للدين الإسلامي وتمتزج فيها دراسة اللغة بدراسة الدين الإسلامي فكانوا يقبلون على تعلم اللغتين الإنجليزية والفرنسية فهي ترضي طموحهم وتطلعاتهم المتجهة غربا دائما، وعلى هذا الأساس كان البعض من مدرسي اللغة الإنجليزية يدرسون الدين المسيحي للطلبة المسيحيين، وكان معلم اللغة الإنجليزية في مدرستي الإعدادية من هؤلاء وكان اسمه الأستاذ طلعت، كان رجلا قوي الشخصية حادا متجهما لا يبتسم أبدا دقيقا في عمله إلى حد الصرامة لا يتهاون في صغيرة ولا كبيرة فإذا دخل الفصل وقف أمام السبورة دقيقة أو اثنتين يرقب تلاميذه بنظرة شاخصة فيقف كل منا في مكانه منتصبا كأنه لوح من خشب، يده إلى جانبه ورأسه مرفوع إلى أعلى شاخصا ببصره إلى الأمام، تماما كما لو كان في طابور عسكري، والويل كل الويل لمن يفرط في شيء من ذلك.
فهمت بعد ذلك أن الدقة التي كان يتمتع بها الأستاذ طلعت كانت مكتسبة من حرفة يمتهنها مع عمله كمدرس وهي تصليح الساعات فقد كانت حقيبته (الديبلوماسي) مليئة بعدد كبير من الساعات وبعض الأدوات اللازمة للصيانة!! كان الأستاذ طلعت هو رائد فصلنا فضلا عن كونه مدرس اللغة الإنجليزية لنا، وعليه كان كثيرا ما يدخل لنا احتياطيا عندما يتغيب مدرس إحدى المواد الأخرى، وكان هذا يحدث كثيرا، وعليه كان من الممكن أن يعطينا حصة اللغة الإنجليزية ثم يظل بالفصل حصة أخرى وربما حصتين احتياطيا!!
وحتى لا يضيع الأستاذ طلعت وقته هباء كان يدرس للطلبة المسيحيين الدين المسيحي في الفصل ونحن موجودون، فيجمع الطلبة المسيحيين من فصلنا ومن الفصول الأخرى (كان عددهم تقريبا يتجاوز أصابع اليد الواحدة بقليل) ويدرسهم في الفصل استثمارا لوقته أو ربما لأنه لم تكن هناك غرف مخصصة لهؤلاء الطلبة لدراسة دينهم، وحتى يوجد الأستاذ طلعت جوا من الهدوء لطلبته المسيحيين ولا يشتت أذهانهم كان يأمرنا بأن نضع رؤوسنا على سطح التختة بعد أن نتربع بأيدينا عليها (وهو ما يعرف بوضع القمر) ويظل الواحد منا منكفئا على التختة لمدة ساعة إلا ربعا في وضع أشبه بمن تغمى عينيه في غرف التحقيق حتى لا يدرك ما حوله، وهو وضع كان يمثل لدينا إيذاء نفسيا رهيبا، فقد كنت أقترب من الانفجار وأنا على هذه الوضعية ، وكانت نفسي تحدثني مرارا بالتمرد على هذا الوضع والصراخ في الفصل من أجل التحرر من هذه العبودية، وأذكر أن هذا الوضع كان يمتد في بعض الأحيان إلى حصتين لا حصة واحدة مما كان يصيبنا بالضجر الشديد ويجعل الدم يغلي في عروقنا من شدة الحزن والألم، وعلى وقع هذا الوضع البائس وفي هذا الجو الكئيب كانت تترامى إلى مسامعي كلمات المدرس وهو يشرح الدين المسيحي لطلابه، شربت بعض تعاليم المسيحية رغما عني وأحسست بعلقمها لا لما تدعو إليه ولكن بسبب الوضع الشاذ الذي كنا فيه ونحن نتعرف إليها، لقد بعث هذا المدرس، سامحه الله، إلى نفوسنا ونحن صغار رسائل ممتدة من الكراهية للدين المسيحي وأتباعه بأسلوبه المتخلف البعيد كل البعد عن مبادئ التربية السليمة دون أن يدري!!

ومن المفارقة أيضا أنه في حصة التربية الإسلامية كان يسمح للطلبة المسيحيين بالخروج من الفصل ومن ثم يتوجهون إلى فناء المدرسة للعب واللهو أو ربما شاهدنا البعض منهم يتناول السندويتشات في حين نتلقى نحن العقاب الأليم على عدم الحفظ أو نجبر على ترديد خمس آيات من القرآن لعدد لامتناه من المرات!! وربما سمحوا لهم بالانصراف لأن حصص الدين كانت غالبا في نهاية اليوم الدراسي ما يعني أننا نكون قد مللنا من طول الوقت وتعبت أذهاننا من كثرة ما حشيت به من معلومات وأحسسنا بالجوع الشديد وغلبنا النعاس بفعل حرارة الجو الخانقة مع كثافة الفصول المرتفعة والمقاعد الخشبية "المحززة" التي أثرت في أجسادنا بفعل خشونتها وصلابتها، وعليه فإننا أحسسنا بنوع من التمييز في مرحلة مبكرة من عمرنا وأصبح ديننا عبئا على نفوسنا كما أصبح الدين المسيحي مصدر قهر كبير لنا في حياتنا وكان علينا تجرع ذلك كله رغما عنا!

إن مدارسنا ومناهج تعليمنا بحاجة إلى مراجعة وتمحيص وإعادة صياغة لتتواءم مع متطلبات عصرنا وروحه كي نضع أرجلنا من جديد على الطريق الصحيح وأنا من هذا المكان أهمس في أذن كل مدرس محترم بألا يستصغر عاقبة أي تصرف أو سلوك يمارسه في فصله وأمام طلبته وليعلم أن ما يقدمه لطلبته في هذه المرحلة المبكرة من عمرهم هو بمثابة الأساس الذي تنبني عليه شخصياتهم فيما بعد وسيكون من الصعوبة بمكان أن نعدل الأساس بعد أن يكون البناء قد تم إلا أن نحلم بأن نهدم البناء من أساسه لنعيد بناءه من جديد وهو ضرب من المستحيل!

آخر رشفة

للإمام علي رضي الله عنه كلمة جميلة وحكيمة لو عملنا بمقتضاها اليوم لحلت هذه المشكلة الأبدية التي تنغص علينا حياتنا وتؤرق مضاجعنا، يقول كرّم الله وجهه: "الناس صنفان، أخ لك في الدين أو نظير لك في الإنسانية".