Sunday, April 4, 2010

افعلها واستقل يا شيخ الأزهر





!لست شيخاً للأزهر.. فلا تغادر حزبك

نقلاً عن جريدة "الحرية" الكويتية

بقـــلم/ الحسيني محمد
مدير التحرير


http://www.alhoriah.com/HoriaNews/ArticleDetail.aspx?artid=21926


ما ان تشرع في الحديث عن احد العلماء، وكشف بعض اخطائه ومثالبه التي ينبغي تصحيحها، حتى يخرج لك من يقول: «إن لحوم العلماء مسمومة»، ونحن نسلم بصحة هذا القول، لكننا نتساءل بالمقابل: وهل لحوم الامة مستباحة وطيبة المأكل؟ وهل لحم هذا الدين العظيم ينبغي ان يكون معروضا على قارعة الطريق لكل راغب في ان ينهشه ويلتذ بمطعمه؟! وهل مؤسسات الاسلام الشامخة وقلاع النور والحضارة فيه نهب لكل من أراد تدميرها واعمال معاول الهدم فيها؟! وألا ينبغي أن يكون لقضايا الاسلام والمسلمين نفس «التحريم» الذي يحظى به حديث البعض عن «اللحوم المسمومة»؟!
أقول قولي هذا وأنا اتهيأ للتعليق على مواقف د.احمد الطيب شيخ الازهر «المعيَّن» الاخيرة، لكي ألفت الانظار الى ان الاسلام لم يعرف «تقديس» الاشخاص.. نعم قيمة الاحترام والتوقير للكبار سناً وعلماً ومكانة لها اعتبارها المهم في ديننا، لكنها لا تمنع من مناقشة رأي او فتوى لأي من العلماء والفقهاء وبيان ما فيها من اخطاء.. ولعله الفيلسوف الفرنسي فرنسيس بيكون - إن لم تخني الذاكرة- الذي تحدث عن شيء اسمه «اوهام المسرح»، ويعني به خطورة ان يشكل اسم أو نتاج العالم او الفيلسوف او الكاتب الكبير حجاباً وحاجزاً يحول بين الناس وبين مناقشتهم لأخطائه وتفنيدها، وبيان ما فيها من عوار ومعايب، وقبله قالها امامنا العظيم مالك بن أنس: «كل يؤخذ من كلامه ويرد، إلا صاحب هذا القبر»، واشار بيده الى قبر نبينا صلى الله عليه وسلم.
شيخ الأزهر «المعيّن» رد على من طالبه بإدانة الانتهاكات الإسرائيلية الاخيرة ضد القدس والمسجد الاقصى خاصة، بالقول: «وماذا ستجدي الادانة؟ انها تحصيل حاصل لن تقدم او تؤخر»!
هكذا استطاع الرجل «بخفة يد» عجيبة ان يرفع عن كاهله المسؤولية الكاملة تجاه الاقصى، وان «يبرئ» ساحته من اي دفاع يتوجب عليه ان يقوم به الآن او مستقبلا بحكم منصبه الرفيع.. لكن الشيخ واهم وغارق في الخطأ حتى الاذقان، فلم يطلب منه احد ان يحمل السلاح ويقود فرقة من العسكريين يتوجه بها الى فلسطين للدفاع عن القدس واقصاها، اقصى الاسلام والمسلمين جميعاً.. كل ما طُلب منه ان يؤازر اخوانه في بيت المقدس واكناف بيت المقدس بـ «الكلمة»، ولا شيء غير الكلمة، لكن الرجل ضنّ عليهم حتى بالكلمة.
الشيخ المعيّن واهم ومخطئ، وعلى من حوله ان يصححوه و«يقوِّموه»، فقد قال احد المسلمين للخليفة العظيم عمر بن الخطاب ولم يتهيبه، وكان - رضي الله عنه - حقيقاً بالمهابة: «والله لو رأينا فيك اعوجاجاً، لقومناه بسيوفنا».. كان ينبغي على من حول الطيب ان يفيقوه قبل ان تأخذه «الغيبوبة» الى بعيد، وان يذكروه بما جاء في سورة «التوبة»، عندما كان الذكر الحكيم يستعرض الحالات التي رفع الله عن اصحابها الحرج، لعدم مشاركتهم في الجهاد ضد الكفار، وذلك في قوله تعالى: «ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزناً ألا يجدوا ما ينفقون»، فقد قبل الله عذر هؤلاء الذين تقول بعض كتب التفسير انهم سبعة من الانصار، ورفع عنهم الحرج، ليس فقط لأنهم لم يجدوا ما ينفقونه في سبيل الله، وانما الاروع والاكثر تأثيراً في النفوس والاعظم درجة عند الله انهم «تولوا وأعينهم تفيض من الدمع» وأن «الحزن» قد تملكهم لعدم قدرتهم على بذل شيء في سبيل الله، بالنفس او المال، ولأن الله يجازي على النيات فقد اعتبرهم سبحانه «في عداد المجاهدين»، وأنزل فيهم قرآناً يتلى الى يوم، معلناً للناس كافة أنه قد قبلهم في عباده الصالحين.
إن المسلم مطالب، إن لم يجاهد، فعلى الأقل ان «يحدث نفسه» بالجهاد، وأن تتشوق روحه لافتداء دينه وارضه ومقدساته، من اجل تطهيرها من دنس المحتلين، وإلا «مات ميتة الجاهلية».. والحمد لله ان ابواب الجهاد كثيرة ومفتوحة في هذا العصر، وكلمة من شيخ الأزهر قد يحيي بها الله عزائم خاملة وهمماً ميتة، ويردع بها معتدين عن عدوانهم، ويمنع طغاة من طغيانهم، او على الاقل تبعث الحمية والحماس في المدافعين عن الاقصى، اللائذين به والمستشهدين من اجل ان يبقى شامخاً مرفوع المآذن في وجه شذاذ الآفاق واراذل البشر الذين يريدون الفتك بالمسجد، ولا يرضون عن هدمه بديلاً ليقيموا مكانه هيكلهم المزعوم، وينفثوا احقادهم في وجه الاسلام والمسلمين، ولئن لم يكن للكلمة نصيب من كل ذلك، فيكفي ان يؤدي بها شيخ الازهر امانته ويستوفي رسالته الموكولة اليه.
لقد استبشر اكثرنا بـ «عهد جديد» للأزهر، بعد سنوات «عجاف»، أكلت كل «السنبلات الخضر» التي كانت في مستودعات هذه المؤسسة العريقة، لكن بدا لنا خلال الايام الماضية ان هذا «العهد الجديد» هو بالفعل «جديد» في كل شيء، فلأول مرة يأتي شيخ للأزهر من صفوف الحزب الوطني الحاكم - او من صفوف اي حزب كان - ليس هذا فقط، بل ان الرجل يباهي بعضويته في الحزب ولا يرى فيها غضاضة او مثلبة او حطاً من شأن الازهر ومكانته، ولأول مرة ايضا نرى مثل هذا «التذبذب» الغريب في المواقف، فالشيخ يعلن يوما انه لن يستقيل من الحزب، ثم يتراجع ويصرح بأنه بانتظار عودة رئيس الجمهورية من رحلة العلاج ليقدم له استقالته وبعدها يعود هو نفسه - ولا أحد سواه - ليقرر انه مستمر في الحزب ولن يخرج منه، متحدياً بذلك مطالبات صدرت عن علماء وكتاب كبار بينهم د.مصطفى الشكعة والشيخ جمال قطب عضوا مجمع البحوث الاسلامية، ود.محمد عبدالمنعم البري الرئيس السابق لـ«جبهة علماء الازهر» وفهمي هويدي، وغيرهم، بل ومتحدياً مشاعر امة بكاملها تدعو الى ان يكون شيخ الازهر متبوعاً لا تابعاً، وان تكون له «اليد العليا» لا «السفلى»، وان يبقى متجرداً عن اي انتماء، الا الانتماء لدينه وامته وازهره، وان يترفع عن «دنايا» السياسة و«خبائثها»، وعن «دسائس» الحزبية و«عفنها».. امة تحلم بأن يعبر شيخ الازهر عنها بحق، وان يقول ما يمليه عليه اسلامه وقرآنه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وليس ما يمليه برنامج الحزب الوطني الذي لم «يتشرف» احد بقراءته، ولا يريد احد ان ينال «هذا الشرف»!
لكن لست ادري لماذا اصبح «غير مجدٍ في ملتي واعتقادي» - بالاستئذان من «رهين المحبسين» ابي العلاء المعري - مطالبة شيخ الازهر الآن بالاستقالة من الحزب الوطني، اظن ان الوقت فات بشأن هذه المطالبة، وحتى لو استقال فأظنها ستكون استقالة شكلية لا تؤثر في الجوهر، وسيظل الشيخ مربوطا بـ «الحبل السري» للحزب، وستبقى مواقفه مرتهنة للسياسة الحزبية، لا تتجاوزها طرفة عين.. وسيكون علينا ان نعتبر الازهر الآن بلا شيخ، حتى يأذن الله أمراً كان مفعولاً ويرد «غيبة» الأزهر ويعيده لأمته جامعاً وجامعة.. وشيخاً!

No comments: